إعادة التدوير في الأردن: ثروة مهدورة تبحث عن وعي واستثمار

رغم التحذيرات المتزايدة من تفاقم التلوث وتكدّس النفايات في المدن الأردنية، لا يزال قطاع إعادة التدوير يعاني من ضعف في الحضور والتمويل والوعي العام.

فبينما تتجه دول عديدة لتحويل النفايات إلى مصدر دخل وفرص عمل، ما زال الأردن يخطو ببطء في هذا الاتجاه، محاصرًا بمعوقات مالية وتشريعية وثقافية تحول دون تطور هذه الصناعة الواعدة.

فجوة بين الطموح والواقع

أشار إياد فريد المشني، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة الامتياز لإدارة المرافق، أن إعادة التدوير في الأردن لا تزال “أقل من مستوى التحدي البيئي”، مؤكدًا أن القطاع يفتقر إلى رؤية وطنية شاملة تجعل التدوير جزءًا من الاقتصاد المحلي لا مجرد مبادرة تطوعية.

ويشير المشني إلى أن غياب الوعي البيئي المجتمعي هو العائق الأول أمام تقدّم القطاع، إذ ما زال كثيرون يتعاملون مع النفايات باعتبارها عبئًا يوميًا وليس موردًا اقتصاديًا يمكن استثماره.

ويضيف أن ضعف الحوافز الحكومية وغياب التمويل طويل الأمد يحولان دون إنشاء مصانع متخصصة قادرة على معالجة النفايات بكفاءة، مؤكدًا أن الحل يبدأ من الفرز من المصدر وتوفير بنية تحتية تدعم التدوير في المنازل والمؤسسات.

التمويل والشراكات.. حجر الأساس للتغيير

يشدد المشني على أن النجاح في بناء اقتصاد تدويري يعتمد على شراكات حقيقية بين القطاعين العام والخاص، تقوم على تبادل الخبرات وتوفير الدعم المالي والتقني.

ويؤكد أهمية تخصيص حوافز ضريبية وتشجيعية للشركات التي تستثمر في التدوير، إلى جانب إطلاق برامج توعوية مستمرة في المدارس والجامعات لترسيخ ثقافة الاستدامة في جيل الشباب.

كما دعا إلى إعادة النظر في التشريعات البيئية لتسهيل عمليات تصدير النفايات المعالجة وتشجيع الصناعات التي تستخدم المواد المعاد تدويرها، معتبرًا أن “تحويل النفايات إلى قيمة اقتصادية ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية”.

أرقام تكشف حجم التحدي

تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الأردن ينتج نحو 3 ملايين طن من النفايات سنويًا، بينما لا تتجاوز نسبة النفايات التي يُعاد تدويرها فعليًا 15% من هذا الإجمالي.

أما النفايات الإلكترونية، فتقدّر بنحو 100 ألف طن سنويًا، مع ارتفاع سنوي يصل إلى 10%، في ظل غياب منشآت قادرة على معالجتها بشكل آمن.

ويرى الخبراء أن الاعتماد على التمويل الخارجي المؤقت يجعل مشاريع التدوير قصيرة العمر، مؤكدين أن الاستدامة لا تتحقق إلا ببناء منظومة اقتصادية داخلية تجعل التدوير مجديًا تجاريًا ومربحًا.

تحركات حكومية وخطط بيئية جديدة

أطلقت الحكومة الأردنية خلال الأعوام الماضية الخطة الوطنية للتوعية البيئية وخطة إدارة النفايات 2022–2026، بهدف تطوير أنظمة الجمع والفرز وتحسين كفاءة إدارة النفايات.

كما تعمل أمانة عمان الكبرى على نشر حاويات فرز في المدارس والمنازل، وتنظيم حملات توعوية موسّعة بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، في خطوة تهدف إلى ترسيخ ثقافة بيئية مسؤولة على مستوى الأفراد والمؤسسات.

المجتمع المدني.. وعي ينمو ببطء

توضح فجر حتاملة، مؤسسة مبادرة JoRecycle، أن جزءًا كبيرًا من شركات التدوير ما زال يعتمد على نماذج عمل محدودة التأثير، بسبب غياب الطلب على المواد المعاد تدويرها وعدم إلزام المصانع باستخدامها.

وتضيف أن الحل يكمن في دمج التدوير في منظومة الإنتاج الوطني واعتباره أولوية اقتصادية، مع سن قوانين تمنع استيراد المواد الخام التي تتوفر بدائلها محليًا.

من التحدي إلى الفرصة

تتفق الآراء على أن الأردن يقف اليوم أمام مفترق طرق بيئي واقتصادي:

فإما أن يتحول قطاع التدوير إلى رافعة حقيقية للاقتصاد الأخضر، أو يبقى مشروعًا معلقًا بين الخطط والوعود.
ويختتم إياد فريد المشني بقوله:

“إعادة التدوير ليست مجرد خيار بيئي، بل استثمار في المستقبل. فكل طن نفايات يُعاد تدويره هو خطوة نحو بيئة أنظف، واقتصاد أقوى، ومجتمع أكثر وعيًا.”

الخبر الصحفي صادر عن: صحيفة الرأي الأردنية

error: هذا المحتوى محمي من النسخ !!
Scroll to Top